أحمد بن يوسف الحلبي ( السمين الحلبي )

4

الدر المصون في علوم الكتاب المكنون

في الوجود إذ الظلمة قبل النّور عند الجمهور . قوله : ثُمَّ الَّذِينَ كَفَرُوا « ثُمَّ » هذه ليست للترتيب الزماني ، وإنما هي للتراخي بين الرتبتين ، والمراد استبعاد أن يعدلوا به غيره مع ما أوضح من الدلالات ، وهذه عطف إمّا على قول « الْحَمْدُ لِلَّهِ » ، وإمّا على قول « خَلَقَ السَّماواتِ » . قال الزمخشري « فإن قلت : فما معنى « ثُمَّ » ؟ قلت : استبعاد أن يعدلوا به مع وضوح آيات قدرته ، وكذلك : « ثُمَّ أَنْتُمْ تَمْتَرُونَ » « 1 » استبعاد أن يمتروا فيه بعدما ثبت أنه يحييهم ويميتهم وباعثهم » . وقال ابن عطية : ثمّ دالة على قبح فعل الذين كفروا ، فإنّ خلق السّموات والأرض وغيرهما قد تقرر ، وآياته قد سطعت ، وإنعامه بذلك قد تبين ، ثمّ مع هذا كله يعدلون به غيره . قال الشيخ « 2 » : « ما قالاه من أنها للتوبيخ والاستبعاد ليس بصحيح لأنها لم توضع لذلك ، والاستبعاد أو التوبيخ مستفاد من السياق ، لا من ثمّ ، ولم أعلم أحدا من النحويين ذكر ذلك . بل ثمّ هنا للمهلة في الزمان . وهي عاطفة جملة اسمية على جملة اسمية » . يعني على : الحمد للّه . ثم اعترض « 3 » على الزمخشري في تجويزه أن تكون معطوفة على خلق ، بأن خلق صلة ، فالمعطوف عليها يعطى حكمها ، ولكن ليس ثمّ رابط يعود منها على الموصول » . ثم قال « 4 » : « إلا أن يكون على رأي من يرى الربط بالظاهر كقولهم : أبو سعيد الذي رويت عن الخدريّ ، وهو قليل جدا ، لا ينبغي أن يحمل عليه كتاب اللّه » . قلت : الزمخشري إنما يريد العطف بثمّ « التراخي » ما بين الرتبتين ، ولا يريد التراخي في الزمان كما قد صرح به « 5 » ، فكيف يلزمه ما ذكر من الخلو عن الرابط ، وكيف يتخيل كونها للمهملة في الزمان كما ذكر الشيخ . قوله : « بِرَبِّهِمْ » يجوز أن يتعلق ب « كَفَرُوا ، فيكون يعدلون بمعنى يميلون عنه من العدول ، ولا مفعول له حينئذ . ويجوز أن يتعلق ب يعدلون وقدم الفاصلة « 6 » . وفي الباء حينئذ احتمالان ، أحدهما : أن تكون بمعنى عن ، ويعدلون من العدول أيضا ، أي : يعدلون عن ربّهم إلى غيره . والثاني : أنها للتعدية ، ويعدلون من العدل وهو التسوية بين الشيئين ، أي : ثمّ الذين فكروا يسوون بربهم غيره من المخلوقين ، فيكون المفعول محذوفا . قوله : مِنْ طِينٍ . فيه وجهان ، أظهرهما : أنه متعلق ب خلقكم ، ومن لابتداء الغاية . والثاني : أنه متعلق بمحذوف على أنه حال . وهل يحتاج في هذا الكلام إلى حذف مضاف أم لا ؟ خلاف ، ذهب جماعة كالمهدوي ، ومكي ، وجماعة ، إلى أنه لا حذف ، وأن الإنسان مخلوق من الطين . وروي عن رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم : « ما من مولود يولد إلّا ويذرّ على النطفة من تراب حفرته « 7 » . وقيل : إنّ النطفة أصلها الطين . وقال غالب المفسرين : ثمّ محذوف ، أي : خلق أصلكم ، أو أباكم من طين ، يعنون آدم وقصته مشهورة . وقال امرؤ القيس : 1867 - إلى عرق الثّرى وشجت عروقي * وهذا الموت يسلبني شبابي « 8 »

--> ( 1 ) سورة الأنعام ، آية ( 2 ) . ( 2 ) انظر البحر المحيط ( 4 / 69 ) . ( 3 ) انظر البحر المحيط ( 4 / 69 ) . ( 4 ) انظر المصدر السابق . ( 5 ) انظر البحر المحيط ( 4 / 69 ) . ( 6 ) الفاصلة - في العروض - أن يجتمع ثلاثة أحرف متحركة والرابع ساكن ، وفي الشعر : قوافيه - وأواخر الآيات من كتاب اللّه فواصل بمنزلة قوافي الشعر جل كتاب اللّه عزّ وجلّ اللسان : فصل 3424 . ( 7 ) أخرجه أبو نعيم في الحلية 2 / 280 وانظر اللآلىء المصنوعة 1 / 160 وتفسير القرطبي 11 / 210 . ( 8 ) البيت في ديوانه ( 43 ) ، شرح المفضليات ( 1 / 165 ، البحر المحيط ( 4 / 70 ) ، اللسان « وشج » . -